محمد محمد أبو موسى

383

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

يلاوصهم ويداريهم ويسلك معهم طريق الانصاف في القول ويأتيهم من وجهة المناصحة فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم له ، وقبولهم منه ، فقال : « وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » ، وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه ، ليسمعوا منه ، ولا يردوا عليه ، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد ، ولكنه أردفه « يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا أن يتعصب له ، أو يرمى بالحصا من ورائه ، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل ، وكذلك قوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » « 312 » فان قلت : فعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل وأنشد بيت لبيد : ترّاك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها « 313 » قلت : ان صحت الرواية عنه قد حق فيه قول المازني في مسألة العلقى : كان أجفى من أن يفقه ما أقول له » « 314 » وهذه الطريقة توحى بمقصود المتكلم مما هو مخالف لظاهرة العبارة فيها ، وقد أشار الزمخشري إلى أن الايحاء بمقصود المتكلم أفعل في نفس السامع وان كان معاندا ، وأجلب له وان كان مشتطّا في اعراضه ، يقول في قوله تعالى : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » « 315 » : « وهذا من الكلام المنصف الذي كل كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك ، وفي درجه بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ، ومن هو في الضلال المبين ، ولكن التعريض والتورية أفضى بالمجادل إلى الغرض ، وأهجم به على الغلبة ، مع قلة شغب الخصم ، وفل شوكته بالهوينا ، ونحوه قول الرجل لصاحبه : علم اللّه الصادق منى

--> ( 312 ) غافر : 28 ( 313 ) الكشاف ج 3 ص 561 ( 314 ) الكشاف ج 4 ص 137 ( 315 ) سبأ : 24